Showing posts with label مقال. Show all posts
Showing posts with label مقال. Show all posts

Tuesday, January 02, 2018

هل ولد المسيح قبل الميلاد؟!


في ديسمبر تنتشر أشجار الكريسماس المزينة فتملأ العالم بهجة، وينتهي باحتفالات بداية عام ميلادي جديد، وبين ديسمبر ويناير يحتفل المسيحيون بأعياد ميلاد المسيح، فللغرب عيد في 25 ديسمبر، وللشرق عيد فى 7 يناير.
البداية:
لم يكن هناك يوما محددا للاحتفال بميلاد المسيح، ولكن في مجمع نيقية -أول مجمع مسكوني- عام 325م، وهو بلغة هذه الأيام مؤتمر عالمي لمناقشة شئون الكنائس وأمور العقيدة، اتفق المجتمعون الممثلون لكافة كنائس الغرب والشرق أن يكون عيد ميلاد المسيح هو يوم 29 كيهك الموافق 25 ديسمبر، وكان سبب اختيار هذا اليوم أن يكون عيد ميلاد المسيح في أطول ليلة وأقصر نهار، والتي يبدأ بعدها الليل في النقصان والنهار في الزيادة، ليعبر ذلك عن مقولة يوحنا المعمدان عن المسيح: "ينبغي أن ذلك (المسيح أو النور) يزيد وأني أنا أنقص" كما جاء في إنجيل يوحنا، حيث يؤمن المسيحيون أن المسيح هو نور العالم، لا يعني هذا إقرار بأن المسيح ولد فعليا في مثل ذلك اليوم، ولكنه مجرد اتفاق على يوم له دلالة فلكية تناسب معنى رمزيا، فالإنجيل نفسه لم يذكر يوما ولا حتى تقريبيا لميلاده، وبشكل عام كل ما يخص المسيح من أحداث تم وضع تاريخها التذكاري على وجه التقريب.
لماذا اختلف الاحتفال بعيد ميلاد المسيح بين الشرق والغرب؟
بمرور السنين، تحديدا فى عام 1582م، لاحظ العلماء (الفلكيان ليليوس وكلفيوس) أن 25 ديسمبر لم يعد يقع في أطول ليلة وأقصر نهار، وبتقصي السبب وجدوا أن هناك خطأ في حساب طول السنة حسب التقويم اليولياني، إذ كانت تحسب على أنها 365 يوما و6 ساعات، ثم اكتشفوا أن الأرض تكمل دورتها حول الشمس مرة كل 365 يوما و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، أي أقل من طول السنة حسب التقويم اليولياني، وبتجميع الفارق من مجمع نيقية 325م حتى 1582م كان حوالي عشرة أيام، فأمر البابا غريغوريوس -بابا روما- بحذفهم من التقويم الميلادي (اليولياني) حتى يقع 25 ديسمبر في موقعه الفلكي كما كان أيام مجمع نيقية، واتخذ هذا القرار في إيطاليا يوم 5 أكتوبر 1582م فكان اليوم التالي مباشرة هو 15 أكتوبر، وسمى هذا التعديل بالتقويم الغريغوري.
وبحساب الفرق بين التقويم اليولياني المعمول به، ودورة الأرض الفعلية حول الشمس وهو 11 دقيقة و14 ثانية، وجد أن هذا الفرق يصنع ثلاث أيام كل 400 سنة تقريبا، يعني هذا حذف هذه الأيام الثلاث كل 400 سنة ليظل 25 ديسمبر في موقعه الفلكي، ليكون عيد الميلاد دائما في أطول ليلة وأقصر نهار، حتى وصل الفارق في يومنا هذا إلى 13 يوما.
والطريف أنه قبل احتلال الإنجليز لمصر، لم يكن التقويم الغريغوري معمولا به في مصر، فكان عيد الميلاد كما هو يوم 29 كيهك حسب التقويم القبطي، الذي كان يوافق يوم 25 ديسمبر بالتقويم اليولياني، بينما كانوا في الغرب يحتفلون به يوم 25 ديسمبر أيضا ولكن بالتوقيت الغريغوري، بفارق 13 يوما بين التقويمين، حتى نقل إلينا الإنجليز التقويم المعدل، مع بقاء احتفال الكنيسة القبطية بعيد الميلاد يوم 29 كيهك حسب التقويم القبطي، فصار هذا اليوم يوافق 7 يناير.
التقويم الميلادي:
هو نفسه التقويم الروماني نسبة إلى روميلوس مؤسس روما، حيث بدأ بالسنة التي تأسست فيها مدينة روما، وتغير اسمه على يد الراهب الإيطالي ديونيسيوس أكسيجونوس، الذي نادى بأن يكون ميلاد المسيح تاريخا فاصلا بين الأحداث الواقعة قبله وبعده، كان ذلك في القرن السادس الميلادي الذي كان وقتها بالتقويم الروماني العام 1286 لتأسيس روما، وبحسابات ديونيسيوس وجد أن المسيح ولد عام 754 لتأسيس مدينة روما، فصار العام 532 بالتقويم الميلادي الجديد بدلا من 1286 بالتقويم الروماني، هو بداية استخدام التقويم الميلادي.
هل ولد المسيح قبل الميلاد؟!
- اكتشف المؤرخون مثل: المؤرخ اليهودي يوسيفوس وبعض المؤرخين القدامى مثل سافيروس سالبيشيوس، ونيكونورس كاليستوس، أن المسيح ولد حوالي عام 750 لتأسيس مدينة روما، وليس عام 754 كما ذكر ديونيسيوس، وكان من الصعب تعديل التقويم لانتشاره في العالم كله، فبقي الحال على ما هو عليه، ما يعني ذلك أن المسيح مولودا في عام 4 ق.م على وجه التقريب يقل أو يزيد بضعة أشهر.
- ولد المسيح قبل موت هيرودس الملك بوقت قليل، وقد مات هيرودس في 4 ق.م وفقا لعدة روايات، فتصبح ولادة المسيح وفقا لهذا قبل سنة 4 ق.م، وهذا الاستنتاج قريب إلى حد كبير مع الدليل السابق، ولمعرفة تفاصيل أكثر أنصح بقراءة هذا البحث.
الإجابة:
نعم، ولد المسيح قبل الميلاد.
شمعي أسعد
يناير 2018

مراجع المقال:
·      https://st-takla.org/FAQ-Questions-VS-Answers/04-Questions-Related-to-Spiritual-Issues__Ro7eyat-3amma/001-Christmas-Date-7-January-or-25-December.html
·      https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%8A%D9%85_%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A
·      https://www.linga.org/varities-articles/MTE0OA==
·      http://www.copts-united.com/C_U/Branches_CPTS/Egyptian_Studies//Egy_Art/00-2007/01/Anaba_Ibraam_070107.htm
·      https://coptic-treasures.com/wp/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%B2-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%83/4/
·      http://www.stmarkos.org/holybible/Read/saneksar/04-Keyahk/29-Keyahk.htm
·      https://drghaly.com/articles/display/13844


Wednesday, November 29, 2017

رسالة إلى وزير التعليم وكل من يهتم بالتعليم في مصر وكل من يطالب بتجديد الخطاب الديني

على الرغم أن مادة الدراسات هي مادة تخص الدراسات الجغرافية والتاريخية، لكن منهج الدراسات الاجتماعية للصف الثاني الإعدادي في الفصل الدراسي الأول هو منهج ديني في المقام الأول وليس تاريخا، ومكتوب بعاطفة دينية واضحة وبتعبيرات إيمانية تخص المسلم فقط، مثل أن يكتب "صلى الله عليه وسلم" كلما كتب اسم الرسول، بل وفيه من المعلومات ما يتعارض تماما مع الدين  المسيحي، وبالتالي يكون من الصعب على تلاميذ المرحلة الإعدادية ممن ينتمون للعقيدة المسيحية تقبل هذه المعلومات، لإنهم في دينهم المسيحي يتعلمون ما هو غير ذلك، فهل هذا أمرا تربويا أن نجبر طفلا أو صبيا على تعلم معلومتين متعارضتين وبعلمه ورضاه؟ وهل من العدل أن تكون الدروس المقررة على الجميع مفهومة وواضحة للطالب المسلم ومربكة ومحيرة للطالب المسيحي، ألم يكن من الأفضل أن يكون هذا الدرس أو الوحدة او المنهج في مادة التربية الدينية الإسلامية، فتكون الأمور أكثر عدلا وإنصافا، مثلما يحدث في المدارس التي أسسها رهبان مسيحيين، حيث لا يتعرض الطفل أو الطالب المسلم لأي تعاليم تغاير معتنقه الديني، فيشعر الجميع بالمساوة والعدل، ومن ثم ينشأون أسوياء،الأمر الذي يصب في صالح المجتمع كله.
تبدأ الوحدة الثالثة بتمهيد عن حاجة العالم لمجئ محمد لينشر قيم العدل والتسامح بعد أن ساد الفساد والظلم في جميع الأجناس، ثم ينتقل في الفقرة التالية للحياة الدينية في شبه حزيرة العرب، ويوضح أنها كانت مهدا لكثير من الأنبياء مثل هود وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل، ثم انتشرت اليهودية والمسيحية، كما بقى القليل منهم على الحنيفية ديانة إبراهيم، وهنا تبدأ صعوبة شرح هذه الفقرة لطفل مسيحي، حيث عليك أن تخبره أن الإسلام جاء لأن عقيدته فشلت في تقويم الناس، وهي بداية ليست مريحة لما تحمله من استعلاء ديني، فضلا عما تقره  أيضا من أمور لا يؤمن بها المسيحيون، فالمسيحية لا تعرف أنبياء بأسماء هود وصالح وشعيب، كما لا تعرف دينا اسمه الحنيفية، فكيف أشرح ذلك لإبني، وجدت صعوبة حقيقية فى توضيح أن ما سيدرسه هنا يمثل المفهوم الإسلامي، ويجب حفظه كما هو حتى لو كان عكس كل ما تعمله كمسيحي، هذه معاناة صعب شرحها، فأنت تعلّم ابنك أن يحفظ معلومات تقول له إنها ليست تاريخا وإنما هي ما يؤمن به أصدقاؤه المسلمون، بينما زميله المسلم سيتعلم أن هذا تاريخا ودينا في نفس الوقت، هذا ليس عدلا بجانب صعوبة المعلومات نفسها للطالب المسيحي واعتياد المسلم عليها بحكم معرفته المسبقة لها.
ثم يبدأ الفصل الأول من الوحدة الثالثة بتمهيد عن رسالة الإسلام التي أخرجت الناس من ظلمات الجهل والعبودية إلى النور والحرية، مرة أخرى تعبيرات استعلائية وعاطفية سيحفظها طالب مسيحي في درس يفترض إنه في منهج التاريخ وليس في حصة الدين، ثم يتحدث عن عام الفيل الذي ولد فيه الرسول، وهو نفس العام الذي حاول أبرهة الأشرم هدم الكعبة ليتحول الناس إلى كنيسته، ولا أعرف كيف طاوع ضمير من وضع هذا المنهج أن يكتب القصة هكذا بشكل يستفز مشاعر طلبة صغار ويربط فى جملة واحدة بين هدم الكعبة وتعمير كنيسة أبرهة في اليمن، رغم إنه في الدرس الثاني سيتحدث عن لجوء الرسول وأصحابه للحبشة لأن بها ملكا عادلا لا يظلم أحدا اسمه النجاشي، ولن يذكر أن النجاشي كان مسيحيا كما فعل في حالة أبرهة، ولا أعرف كيف نتحدث عن تجديد الخطاب الديني بهدف خلق جيلا جديدا أكثر تسامحا وقبولا للآخر، ثم نبروز ونوضح ونظهر أن من حاول هدم الكعبة كان مسيحيا بينما نخفي أن من لجأ إليه الرسول هربا من ظلم قريش كان مسيحيا، ولا أعرف أيضا ما يمكن أن يدور من حوارات بين التلاميذ باختلاف عقائدهم بعد كل حصة، خصوصا في ظل حالة استقطابية نمر بها.
في حصة التاريخ لا يستقيم أن نتحدث في أمور إيمانية بصفتها حقائق تاريخية، كما يجب أن نراعي في نفس الوقت التنوع الديني الذي يجعل هذه الأمور الإيمانية تختلف من دين لآخر، دون أن يتعارض هذا مع إيمان كل منا واحترامنا لكل ما نؤمن به، ولكنها فضيلة التخصص الذي يجب أن نعلم أبناءنا احترامها، وبالتالي يكون من الصعب على غير المسلم أن يتعلم فى كتاب التاريخ قصة نزول جبريل بالوحي على الرسول، ويكون من الصعب أيضا أن نذكر الإسراء والمعراج بصفتها أحداثا تاريخية، أو أن الله أرسل ملائكته لتحارب مع المسلمين في غزوة بدر، وأرسل ريحا قويا اقتلعت خيام المشركين وقذفت في قلبوهم الرعب في غزوة الخندق.
في حصة التاريخ أيضا يكون من المنطقي استخدام المصطلحات المتفق عليها تاريخيا، وخصوصا مع مفردات دينية، أو تمس عقيدة أخرى، فالمسيحي يعرف أن عقيدته اسمها "المسيحية" لا "النصرانية" كما ذكر في المنهج المقرر في كتاب التاريخ، والغريب أنها كتبت في صفحة المفاهيم بتعريف النصرانية أنها ديانة عيسى، اسم "عيسى" أيضا لا يعرفه المسيحيون، كما أن النصرانية في الأصل هي طائفة كانت منتشرة في جزيرة العرب، وطالما ذكرت في صفحة خاصة بالمفاهيم، فتعريفها الصحيح وفق التاريخ المسيحي أنها أطلقت على طائفة ابتدعت فكرا مختلفا عن العقيدة المسيحية، وكانت لهم تجمعات فى بعض البلدان العربية فكان يطلق عليهم مثلا نصارى مكة، نصارى الشام، نصارى نجران، أي وفق الإيمان المسيحي أيضا هي بدعة، هل من اللائق إذن ذكر هذه الأمور الملتبسة في كتاب تاريخ للمرحلة الإعدادية؟ علما بأن ما ذكرته هو مجرد أمثلة على سبيل المثال لا الحصر.
في مادة اللغة العربية أيضا يعاني الطالب المسيحي من وجود نصوص إسلامية كثيرة يتوجب عليه حفظها، وكان هناك من ينادي يتخفيف هذه النصوص أو على الأقل جعلها غير إلزامية الحفظ والتسميع، ولكن وجودها في مادة اللغة العربية يبقى في النهاية أمرا مفهوما، أما في كتاب تاريخ فهذا هو الأمر الغريب الذي يجب إعادة النظر فيه.

المقال على موقع رصسف22


Friday, November 21, 2014

أول ثلاث ثورات في تاريخ مصر


بدأت ثورات المصريين في مرحلة مبكرة جدا من تاريخ مصر القديم، وربما كانت أول ثورة عرفتها البشرية في مصر، وبالبحث في التاريخ القديم نكتشف أن أول ثورة كانت ثورة دينية وقد حدثت في عصر الأسرة الثانية (حوالي 2890-2686 ق.م)، والثورة الثانية كانت في نهاية عصر الأسرة السادسة (حوالي 2323-2150 ق.م) وكانت ثورة اجتماعية، بينما كانت الثالثة ثورة قومية، أو يمكن تسميتها بـ"حرب التحرير" فقد كانت ضد الهكسوس، في أواخر عهد الأسرة السابعة عشر (حوالي 1680-1580 ق.م).



 الثورة الأولى: الثورة الدينية

هي أول ثورة في التاريخ القديم، ولعلها مفارقة غريبة أن تكون أول ثورات المصريين ثورة دينية، فقد تمرد الشعب في عصر الأسرة الثانية على عبادة حورس إله الشمال، وبدأوا في عبادة "ست" إله الجنوب، حتى أن الملك نفسه "سخم أب" غير اسمه وانتسب للإله ست ليصبح "ست بر إب سن"، وبعد نجاح الثورة حدثت تغيرات جذرية واسعة، وتقلصت صلاحيات الكثير من المناصب العليا، وزادت مساحة الحريات الدينية، وحدث تقدم واسع في مختلف نواحي الحياة.



الثورة الثانية: الثورة الاجتماعية

جلس الملك بيبي الثاني - الأسرة السادسة - على عرش مصر وهو في السادسة من عمره خلفا لأخيه، وطال عمره حتى بلغ المئة فكانت فترة حكمه 94 عاما هي الأطول في تاريخ ملوك مصر، وكانت نهاية عهده - بطبيعة الحال لمن يطول جلوسه في الحكم - نكبة على البلاد، فبدأت حالة الحكومة في الضعف وفقد الملك سيطرته على زمام الحكم، والتف حوله المنافقون، وفي نفس الوقت ذات نفوذ حكام الأقاليم واستقلوا عن السلطة المركزية، وفرضوا ضرائب ظالمة وأهملوا إصلاح الأراضي الزراعية، وانضم لهم الكهنة غير مبالين بمعاناة الناس، وكلما ذهب إليهم مظلوم بشكوى طالبوه بالطاعة ووعدوه بحسن الجزاء في الآخرة، بدلا من الانضمام إليهم في وجه ظلم حكامهم، فانتشرت بين الناس دعاوي التمرد والعصيان، فسرت موجة الغضب والإضرابات في مصر كلها، حيث حطم المصريون حاجز الخوف لأول مرة، وثاروا ضد الحكام وموظفي الدولة ورجال الدين، وكانوا يعتصمون في أكبر المعابد ويطرقون أبوابها ويهتفون بصوت عالٍ لإجبار الملك على سماع مطالبهم.

كانت ثورة اجتماعية طاحنة ضد كل شيء حتى الآلهة، وقد وصفها المؤرخون بأنها أول ثورة شيوعية في التاريخ، ووصفها الفراعنة، حيث كان حاكم كل إقليم يطلق على نفسه اسم فرعون وقتها أنها ثورة الرعاع، بينما هي في واقع الأمر كانت أيضا أول ثورة جياع، وسادت الفوضى وفلت الزمام من أيدي قادة الثورة نفسها.

والغريب أن تلك الثورة بدأت بمجموعة من المنشورات والشعارات كانت بدورها هي الأولى من نوعها مثل: "الأرض لمن زرعها، والحرفة لمن احترفها، وليس للسماء وصاية على الأرض". واستمرت حوالي سبع سنوات.



الثورة الثالثة: الثورة القومية

هي أول ثورة قومية، وكانت ضد الهكسوس الذين احتلوا مصر لأكثر من قرن ونصف، وقاد تلك الثورة ثلاثة من ملوك الأسرة السابعة عشر (سقنن رع الثاني، كاموس، أحمس الأول).

وقد بدا سقنن رع ثورته ضد الهكسوس وحقق بعض النجاح ولكنه قتل في إحدى المعارك، ثم جاء بعده ابنه الأكبر كاموس، الذي حقق انتصارا أكبر بتقدمه نحو عاصمة الهكسوس في الشمال، وقام بتأمين الجنوب ضد هجمات محتملة من أمير النوبة، كما قضى على تمرد بعض أتباعه، وقد قتل أيضا ثم انتقل الحكم إلى أحمس الأول الذي واصل الحرب ضد الهكسوس حتى طردهم،  وأسس الأسرة الثامنة عشرة.



شمعى أسعد



مراجع المقال:

- موسوعة مصر القديمة - سليم حسن - مكتبة الأسرة 2000.

- موقع مكتبة الإسكندرية.

- موسوعة ويكيبيديا.

- عدة مقالات وأبحاث متفرقة على الإنترنت.









Tuesday, November 04, 2014

وللشتائم أصول.. وتاريخ

لكل بلد قاموسها في الشتائم، تعتمد مفرداته على عدة عوامل تاريخية وثقافية واجتماعية ودينية وعرقية، حيث تنتج كل تلك العوامل مفردات نابية يختلف مفهومها من لغة لأخرى، فبينما تعتمد اللغة العربية في مفهومها لتلك المفردات على كونها تمس أمورا مثل الجنس، المثلية، التلفظ على أفراد العائلة كالأم والأخت، التشبيه بالحيوانات، الكره العنصري، الدين، نجد اللغة الصينية يرتكز مفهومها للألفاظ النابية على سب أفراد العائلة، بينما في اللغات الدرافيدية هي مساواة الناس بالحيوانات، أما في اليابانية فعدم مراعاة أنظمة الأدب وإهانة الذكاء بجانب الألفاظ الجنسية هي المفهوم السائد عن معنى الكلمات النابية.

والشتائم الجنسية هي العامل المشترك بين أغلب اللغات والثقافات، وهذا يعكس نظرة دونية قديمة للجنس ربما تعود إلى الإنسان البدائي قبل أن يدرك أنه سبب وجوده واستمراره. وفي مصر تعود بعض الألفاظ إلى عهد الفراعنة ولكنها كانت تخص فعل الجنس نفسه ولم تكن تمس المرأة بشكل عام، أو الأم بشكل خاص، فاحترام المصري القديم للأنثى منعه من إدراجها في قاموس الشتائم. ولكن بعد عصور عديدة وبعد دخول المماليك مصر وبعض الدول العربية، تغيرت الثقافة العامة وتغير معها كل شيء، حتى الشتائم.

وقدر صدر في 1995 كتاب بعنوان "تراث العبيد في حكم مصر المعاصر.. دراسة في علم الاجتماع التاريخي" عن المكتب العربي للمعارف، وبرغم تفرد الكتاب في تحليله لكثير من سلبيات المجتمع المصري، ومحاولة تقصي الأصل التاريخي لها، إلا أن كاتبه لم يشأ ذكر اسمه واكتفى بكتابة الاسم هكذا "دكتور: ع .ع"، ويقول في مقدمة كتابه إن هذا البحث يتناول مصر المعاصرة ولكنه يعود بالحدث المعاصر إلى بداية تاريخ حكم الرقيق الأبيض في مصر، يقصد المماليك كما كان يسميهم.

ومن بين الأمور التي يتعرض لها هذا البحث القيم هو أصول بعض الشتائم ودلالاتها الاجتماعية والتاريخية، حيث يذكر أنه "لم يظهر السب والاستهزاء بالعضو التناسلي للأم إلا في العصر المملوكي، وازداد في العصر العثماني وهو مملوكي في صميمه أيضا، واتسع في عصر الأسرة العلوية"، ويفسر الكاتب ذلك بأن "المملوكي في الأصل لا أسرة له، وهو لا يعرف أباه أو أمه، وليس له سلالة وقد يقرأ في عيون أهل البلاد ما يفيد ذلك، لذلك فهو غير حريص على شرف أهل البلاد أو صحة أنسابهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأقرب عضو لتلويث محدثه هو اتهام (ك. أمه) أو (ك. أخته)".
ويضيف، "أما العبارات المتعلقة بالأخت أو بمؤخرة الرجل فلم تشع في مصر وإنما في الشام، فالشوام أكثر بياضا من المصريين، وأكثر امتلاء لذا فقد وجد المماليك في (ك. أختهم) و(ط. أبوهم) مجالا للتعامل على السواء، ورغم اندماج المماليك في المجتمعات العربية والإسلامية فإن الموروثات ظلت كما هي".

والتفسير أن السب باستخدام العضو التناسلي للأم سببه في الأصل عقدة نقص عند المملوكي مجهول النسب، جعلته ينظر للمصري معلوم النسب نظرة حقد، وبالتالي حين يسبه فلابد أن يطعن في نسبه كأنه يقول له أنت ابن هذا الجزء من جسم أمك ولا تعرف من أباك، وبالتالي يصبح استخدام أو ذِكر الأم في الشتائم هو في واقع الأمر هجر لثقافة مصرية قديمة كانت تحترم المرأة، لثقافة دخيلة مملوكية مجهولة النسب مثل من أتوا بها.

شمعى اسعد

المقال على دوت مصر





Wednesday, October 15, 2014

الحكاية حكاية شعب



قامت في مصر على مدار عقود طويلة مضت، كثير من الثورات وحركات التغيير، وفي كل مرة كانت تحدث حالة نشوةEuphoria ، حيث تصير الأحلام بوطن أفضل على وشك التحقق، فالحاكم المستبد سيذهب بلا رجعة وسينتهي الظلم، وستبدأ مصر عهدا جديدا ستحصد نتائجه الأجيال القادمة، بعدما دفع الجيل الذي قام بالثورة الضريبة كاملة من أجل مستقبل رائع لأبنائهم وأحفادهم. ثم بعد عدة عقود يأتي الأبناء والأحفاد يحلمون بالعدل والمساواة، وحين يفقدون الأمل في تحقيق ذلك يثورون على دول الظلم، من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة، التي ستثور مجددا مطالبة بـ"عيش حرية عدالة اجتماعية". 

الثورات فى حياة الشعوب، بكل ما تحمله من مشاعر وانفعالات وتحولات، هي حالة استثنائية، الأصل فيها أن تحدث مرة واحدة في زمن قريب، ولو شبهناها بالأحداث التي نمر بها في حياتنا الشخصية، تكون كالثانوية العامة مثلا، أو الخدمة العسكرية، أو أي من مراحل التحول الاستثنائية التي يكون تكرارها صعبا وأكثر كلفة. فأن تتكرر الثورات في تاريخنا على فترات قريبة فهذا يعني أن هناك مشكلة لم تحل من البداية، ولهذا فالثورات عندنا كالولادة المتكررة، أي أن مصر تلد كثيرا، وفي كل مرة يكون المولود مشوها، مما يجعل الأم تنتظر وليدا جديدا وهكذا تظل "الثورة مستمرة". 

وإذا كان المنتج دائما به نفس المشكلة، والحاكم حين يصل للسلطة يتحول فيما بعد لحاكم مستبد، يصبح السؤال: هل نثور مرة أخرى فنصل لنفس النتيجة، أم نبحث أصل المشكلة ربما كانت في المادة الخام نفسها؟.

في كتاب "تراث العبيد في حكم مصر المعاصر.. دراسة في علم الاجتماع التاريخي" الصادر عن المكتب العربي للمعارف عام 1995، لكاتبه الذي رفض ذكر اسمه واكتفى بالحروف الأولى "دكتور: ع.ع"، يرصد ويحلل ويمسك بأصول كل ما شاب مجتمعنا من سلبيات أفسدت مواده الخام ففسد المنتج، ويرجع بذلك إلى عصر المماليك الطويل في تاريخ مصر، وكيف انتقل إلينا التراث المملوكي بسلوكياته وأخلاقياته التي تورث كما تورث الصفات الجسمانية، وتأثير ذلك في كل نواحي الحياة سواء اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا. 

فالمماليك، الذين تم جلبهم إلى مصر كرقيق أبيض، لم يتولوا الأعمال الشاقة كأي عبيد، إنما أسندت لهم أعمال الحكم والإدارة وكانوا محور بلاط الحاكم، وبذلك صاروا (الرقيق حاكم الأحرار)، ومن الطبيعي أن يتفنن العبد عندما يصبح حاكما في الإيقاع بين مجموعات العبيد التابعين له، ونتج عن ذلك تبلور مفاهيم "المهموز" و"الدبوس" و"الزنب جمع زنبة"، وكل أمير مملوكي يحرص أن يكون له المماليك (بتوعه)، وإذا وصل للعرش حرص على تكوين مجموعة أخرى تكون (بتاعته) لأنه لا يضمن ولاء المجموعة التي كان منها، وهكذا ظلت فكرة (البتاع) و(البتوع) تتوارث من جيل إلى جيل، فلابد للمدير العام أن يكون له (بتوع) غير بتوع المدير السابق، ولا يمارس المدير أو المحافظ أو أي مسؤول عمله سوى من خلال هذه المجموعات، لا من خلال القوانين واللوائح، وهذا يفسر سر عدم تفعيل القانون في أحوال كثيرة، حيث يحل عوضا عنها أوامر أو توجيهات أو إرادة القيادة أو مصالح البطانة المحيطة. 

والعلاقة المملوكية أساسها الخوف سواء خوفهم من الأمير أو خوف السلطان من تآمر المماليك، أو خوف المماليك من بعضهم البعض، ومن الطبيعي ألا يرحب المماليك القدامى بالمملوك الجديد المنضم إليهم خوفا أن ينال حظوة أميرهم، كما أنه سيشاركهم اللحوم والخبز فيقل نصيبهم، وهذا أحد الأسباب التي تفسر لماذا يتصارع المصريون في الخارج صراعا لا تشهده الجاليات الأخرى. كما أن مبدأ "الحسنة تخص والسيئة تعم" هو أيضا تراث مملوكي، فإذا تفوق جندي نال التكريم وحده بينما إذا أخطأ أحد الجنود فالكتيبة كلها تعاقب، الأمر الذي يفسر كرهنا للنجاح والناجحين. 

وحتى الصفات التى تبدو إيجابية مثل "الجدعنة"، ارتبطت فى تراث المماليك بالخروج على القوانين، فكان ينظر إلى اللصوص والخارجين على القانون بشيء من الإعجاب باعتبارهم (جدعان) و(عيال آخر شهامة)، وهذا يفسر التعاطف النسبي مع المجرمين والخارجين على القانون والدولة بعد كل مواجهة مسلحة، وكلها مفاهيم من بقايا تراث الرقيق الأبيض. 

وعلى المستوى الاقتصادي، اعتاد المملوكي أن يحصل على المال من جهد وتعب الآخرين من خلال (الريع) أو السمسرة والعمولة، أو "تجارة النفوذ" حيث يسعر البضاعة وفق نفوذه هو، بجانب ما يناله من بقشيش، وكانت أحد وسائلهم للوصول للسلطة هو تجويع السوق حتى تحدث الاضطرابات فينضم لهم الناس ضد المجموعة الأخرى الحاكمة. وكانوا يقومون بسلب المتاجر والأسواق وقت الفوضى وغياب السلطة، وقد رأينا بعد ثورة يناير واختفاء الشرطة من الشوارع كيف تم سلب ونهب الأسواق الكبيرة. 

كما يطرح الكتاب سؤالا آخر هو: لما لم تثمر حركة التغريب (الأخذ بأساليب الحضارة الغربية في الحكم والإدارة) النتائج نفسها التي أثمرتها في الغرب؟ ويجيب بأن تراث المماليك هو الذي يحول بين أن تكون التنظيمات المنقولة من الغرب إلى بلاد الشرق، لها المردود نفسه للتنظيمات في الغرب، وإلا فيم نفسر أن الفرد الشرقي إذا انتزع من تراثه المملوكي وعاش في الغرب، حقق تفوقا على أقرانه الأوربيين والأمريكيين؟ التفسير هو أنه انتزع تماما من تراث المماليك، وكان لديه هو شخصيا استعداد للحياة في بيئة جديدة خالية من هذا التراث. فالبذرة وحدها غير كافية، وإنما لابد من التربة الصالحة أيضا، والتربة في مصر بها حشائش عميقة الجذور من تراث الرقيق الأبيض (المماليك). 

إذن، وبعد هذا العرض السريع لأفكار الكتاب، نجد أن الثورة التي نحتاجها فعلا هي ثورة ذاتية، نتخلص فيها من الإرث المملوكي، حتى إذا ما تخلصنا من الحاكم المستبد سواء بالثورات أو بالقضاء والقدر، وفى نفس الوقت أصلحنا المادة الخام، يكون الحاكم الجديد نتاج بذرة أفضل، ويكون الشعب الجديد تربة أكثر خصوبة لانتاج مجتمع أفضل، فليست الحكاية في كل مرة حاكم فاسد، الحكاية حكاية شعب.


شمعي أسعد 
اكتوبر 2014


المقال على دوت مصر

المقال على موقع حركة مصر المدنية



Wednesday, October 08, 2014

أنت تكذب يا لينكولن

كان ابراهام لينكولن، الذي حكم الولايات المتحدة الأمريكية لمدة خمس سنوات فقط في أوائل ستينيات القرن التاسع عشر، يعمل بالمحاماة في بداية حياته، وجاءه ذات مرة أحد الأشخاص يطلب منه الدفاع عنه في إحدى القضايا، وسأله لينكولن إن كان مذنبا حقا، فأخبره الرجل بأنه بالفعل كذلك ولكنه يثق فى مهاراته وقدرته على تبرئته أمام القاضي، فرد لينكولن أنه يستطيع فعلا ذلك لكنه لن يفعل، تعجب الرجل وسأله لماذا؟ فرد لينكولن: لأنني سأكون مدركا طوال الوقت وأنا أدافع عنك أنني أكذب، وسأظل أردد بيني وبين نفسي أثناء المرافعة "أنت تكذب يا لينكولن" وقد أخطيء مرة وأقولها بصوت عالٍ.

لم أهتم بعد قراءة هذه القصة بدقتها ولكنني عشت طويلا مع مغزاها، وصرت استخدم مقولة لينكولن التي قرأتها منذ سنوات طويلة، بنفس الطريقة التي استخدم بها الأمثلة الشعبية، أرددها كما هي كلما أردت فحص النية الحقيقية في أمر ما، لا أتحدث على المستوى الشخصي، بل عن "الكذب الجمعي" والضلالات الاجتماعية التي غرق فيها مجتمعنا بشدة، فكم أكاذيب نرددها بضمير مرتاح ونعرف في قرارة أنفسنا أننا نكذب، ومع ذلك كنا نستمر في ترديدها، ونقبل ترويجها، ولم يظهر فينا بعد من يقف هاتفا مستخدما المثل الجديد: "أنت تكذب يا لينكولن".

تحدث قاسم أمين كثيرا عن "علل المجتمع المصري"، وإذا أردنا أن يصير مجتمعنا أفضل فيجب ألا نكف عن الحديث عن كل العلل التي تعطل تقدمنا، والكذب الجمعي هو أحد أهم هذه العلل، أتحدث عن الأكاذيب التي لا ندرك أننا نمارسها، وهي في نفس الوقت تعطلنا عن التقدم لأن لها مفعول "البنج"، فحين نردد باستمرار أننا أصحاب حضارة سبع آلاف سنة فنحن نعطي لأنفسنا "حقنة بنج" بهدف أن نرتاح من الإحساس بالعجز أمام التقدم الهائل حولنا، ولا يهم ماذا نقدم للبشرية الآن مادمنا قدمنا ما يجب أن نقدمه من آلاف السنين، فكيف يتطور مجتمع يظل طوال الوقت معتقدا أنه أفضل شعوب العالم، وأن مصر "أم الدنيا" دون أن تُقر "الدنيا" نفسها أن مصر أمها، وأننا شعب طيب، وأطفالنا هم أذكى أطفال العالم، فضلا عن ترديدنا المستمر لفكرة أننا مجتمع محافظ، رغم تكذيب محركات البحث التي نصول ونجول فيها بحثا عن المواقع الجنسية، وقد أخبرتنا بعض الإحصائيات أننا أكثر شعوب العالم فى ذلك، فضلا عن ظاهرة التحرش التي زادت واستفحلت حتى أصبح "المجتمع المحافظ" عاجزا أمامها.

نحن نكذب ونخدع أنفسنا في كل مرة نردد فيها أننا شعب متدين بالفطرة، ونظل نصدق ذلك حتى ونحن ندفع "رشوة" لموظف، أو نلقي القمامة بضمير مرتاح بجوار سور مدرسة مكتوب عليه "النظافة من الإيمان"، وعلى نفس السور أيضا سنقرأ "مدرستي جميلة نظيفة متطورة" بينما يدرك كل تلميذ أنها ليست كذلك فيعتاد بدوره الأكاذيب الاجتماعية، الأمر الذي يؤثر سلبا على "قيم أخلاقية" لأجيال تشكل هي أيضا مستقبل المجتمع وفق ما تعلمته منه واعتادت عليه، لتسلمها فيما بعد لأجيال لاحقة، في عملية "تدوير" منتظمة لمباديء زائفة.

والأسوأ من أن نكذب هو أن نصنع "الرموز الكاذبة"، وحينما قامت ثورة 25 يناير كان من أهم نتائجها هو سقوط كثير من الرموز التي كانت نماذج وقدوة في نظر ملايين من المصريين، لا أقصد من قامت ضدهم الثورة بل من قاموا بالثورة أنفسهم، فأحد أهم أسباب كبوة الثورة هو استغلال المدعين والمزيفين لها وتصدرهم المشهد والميدان، وأهم حسنات الثورة أيضا هو فرزها لهؤلاء تباعا، فكل يوم نرى نجما يسقط وكذبة تنكشف، ولا عيب فى ذلك سوى أنه يحدث دائما بعد كارثة، ولو كنا نملك موهبة الكشف المبكر عن الكذب وفرز الشخصيات الزائفة، لتجنبنا كثيرا من الأزمات وربما تجنبنا فشل الثورة نفسها، هذا على افتراض أننا حين قمنا بالثورة رافعين شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية"، كنا صادقين ومتسقين مع أنفسنا ونؤمن فعلا بقيمة الحرية والعدالة الاجتماعية، فقد رأيت بنفسي من ملأوا الدنيا ضجيجا عن الحقوق والحريات، وكانوا هم أنفسهم أول من فشلوا في تحمل الرأي الآخر، وتعاملوا بحدة مع المختلفين معهم باستعلاء لا يليق بمن يتحدثون خلف الشاشات عن حرية الرأي وحق الاختلاف، وكم توقعت أو تخيلت بينما هم مستغرقون في حواراتهم الإعلامية سواء عن الحقوق أو المباديء أو ادعاء النقاء الثوري، أن يخطيء أحدهم ولو مرة فيقول " أنت تكذب يا لينكولن".


شمعي أسعد
6 أكتوبر 2014

المقال على دوت مصر



Monday, September 22, 2014

أين ذهب جمهور أم كلثوم






بينما كنت أتجول بلا هدف بين قنوات التليفزيون، توقفت أمام أحد البرامج الحوارية التي تعتمد على استضافة طرفي نقيض في قضية ما، ورغم أن هذا في حد ذاته لم يعد مثيرا للاهتمام،فإن الذي أغراني بالتوقف، أن أحد طرفي النقاش شابان ممن يتبعان موضة الشعر الطويل المُضفّر، والطرف الآخر سيّدة محجّبة، حتى يكون كل طرف مضادا للآخر في الاتجاه مساويًا له في القوة، وبالطبع كان شكل هذين الشابين هو موضوع الحلقة، حيث كانت السيدة المحجبة تقوم بدور المجتمع المحافظ الذي يوبّخ هذا النوع من الشباب على هيئتهم الغريبة، وتخلّيهم عن تقاليد المجتمع، وصولا لاتهامهما بعدم الانتماءلمصر، لأنهما لا يتبعان شكلنا المتعارف عليه، وأشارت كمن لديه معلومات مؤكدة أن هناك من يتعمد الدفع بهؤلاء الشباب لتخريب المجتمع وتغريبه، بينا راح الشاب يؤكد أنه لا يتبع أحدًا، ولم تدفعه جهة ما، وكل ما فعله هو أن أعجبته صورة فقلّدها، ولم يشعر بتعارض بين هذا الشكل وانتمائه لبلده.

أثار توبيخ السيدة العنيف للشباب في ذهني، عدّة تساؤلات: ما"شكلنا" المتعارف عليه؟ هل لنا شكل واحد؟ هل لنا شكل ثابت؟

بالبحث والتأمل في "شكلنا"، وجدتني أعود لحفلات أم كلثوم وأتأمل جمهورها، باعتباره نموذجًا لما كنّا عليه ذات يوم، صحيح أن جمهور تلك الحفلات كان من الطبقة البرجوازية أو الوسطى، لكن لا مانع من أن نقارنه أيضا بنظيره في أيامنا الآن، لنتساءل أين ذهب شكلنا هذا؟ ولماذا حين بدأ التحول في الحدوث، لم يظهر من يقاوم، مثل تلك السيدة التي وبّخت الشابين؟ ألم يكن شكلنا وقتها متعارفا عليه أيضا؟ بحيث يصبح تغييره تخليا عن تقاليد المجتمع؟ هل كان هناك من يدفع بتغيير الشكل بهدف تغيير الهوية والانتماء، كما اتهمت السيدة الشابين؟ وما موقفها من الجماعات التي كانت "تدفع" و"تموّل" بهدف تغريب كل شيء في مصر؟ أين كانت التقاليد والعادات المصرية؟ وفي تأكيدها أننا مجتمع محافظ، فتحت تساؤلات أكثر بخصوص هل نحن حقا كذلك؟ بل السؤال الأوقع هل صرنا أكثر "محافظة" والتزاما من جمهور أم كلثوم السافر؟ أم أن كل شيء تدهور، لأننا بذلنا جهدا كبيرا في الاهتمام بالشكل ولم نلتفت للجوهر أو "القيمة" طوال عقود مضت ولن تعود. وفي المقابل ظللنا نردّد بلا أي مراجعة، أننا مجتمع محافظ حتى صارت واحدة من أهم الأكاذيب التي صدّقناها وغرقنا فيها، لتصبح هي المدخل الأهم لكل جرائم الوصاية على الآخر المختلف.

طعنت السيدة الشاب في انتمائه، لمجرّد أنه غيّر شكله لهيئة غريبة، قد يملّ منها، ويعود كما كان، ماذا إذن عن الفساد المستشري الذي لا يملَ صاحبه منه؟، فلا شكّ أن الكثيرين منا وقعوا ضحية موظف فاسد أو مُرتشٍ، كنا نغضب ونحزن ونتألم ونتّهم هؤلاء بالفساد، لكن لم يحدث أن اتّهمنا الموظف المُرتشي بعدم الانتماء، أي إن الفساد ليس معيارًا لقياس الانتماء في ثقافتنا، إنما تغيير "تسريحة الشعر" هو المعيار الأهم الذي لا يقبل التفاوض.

حين دعا قاسم أمين لتحرير المرأة، حصر البعض دعوته في مجرد تغيير الشكل والهيئة، حتى أن طلعت حرب نفسه هاجمه قائلا "إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا"، ورغم كونه اقتصاديا عظيما تفخر به مصر، إلا أنه في هذا الأمر كان يقوم بنفس دور السيدة سالفة الذكر، كما اتهمه مصطفى كامل أيضا بنفس التهمة وربط بين أفكاره والاستعمار الإنجليزي، بينما ناصره الإمام محمد عبده وسعد زغلولوأحمد لطفي السيد، حيث كان يدعو دائما أن "تربية المرأة هي أساس كل شيء، وتؤدي لإقامة المجتمع المصري الصالح وتخرج أجيالا صالحة من البنين والبنات"، وكان يكتب عن "العلل الاجتماعية في مصر" فقد كان مهموما ومهتما بالصلاح الاجتماعي، ويسعى بكل جهد لتحرير المجتمع المصري.

ثم جاءت نبوية موسى بعده لتكون بمثابة التطبيق العملي لأفكاره، فكانت إحدى رائدات التعليم والعمل الاجتماعي، واهتمت بنشر تعليم الفتيات، وأسست مدرسة ابتدائية حرة للبنات في الإسكندرية تولت إدارتها، وكان يدعمها أيضا أحمد لطفي السيد رائد التنوير في عصره.

وبعدهما تأتي درية شفيق، التي ينسب لها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور 1956، وكأنهم سلسلة متتابعة متناسقة يكملون بعضهم بعضا، حيث يحرر قاسم أمين المرأة لتعلمها نبوية موسى ثم تعطيها درية شفيق حق الانتخاب والترشح.

أين نحن الآن من هذا التطور والتكامل والتفاعل بين أجيال كانت مهتمة بجوهر المجتمع، ومهمومة بعلله، انتجت بكل تفاعلاتها "جمهور أم كلثوم"، من أجيال لاحقة تفاعلت وانتجت مجتمعا لا داعي لوصفه فنحن جميعا نعيشه.

شمعي أسعد
سبتمبر 2014

 المقال على دوت مصر